السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

79

مختصر الميزان في تفسير القرآن

ويخرّبون بلادهم ، وما لهم من العيش إلا عيشة الحرض الذي لا هو حي فيرجى ولا ميت فينسى « 1 » . وفي الآية أعني قوله : « قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ » وجه آخر وهو أن يكون المراد بالعذاب الأخروي ، والمضارع ( يُعَذِّبُكُمْ » بمعنى الاستقبال دون الاستمرار كما في الوجه السابق فإن أهل الكتاب معترفون بالعذاب بحذاء ذنوبهم في الجملة : أما اليهود فقد نقل القرآن عنهم قولهم : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ( البقرة / 80 ) وأما النصارى فإنهم وإن قالوا بالفداء لمغفرة الذنوب لكنه إثبات في نفسه للذنوب والعذاب الذي أصاب المسيح بالصلب والأناجيل مع ذلك تثبت ذنوبا كالزنا ونحوه ، والكنيسة كانت تثبته عملا بما كانت تصدره من صكوك المغفرة . هذا . لكن الوجه هو الأول . قوله تعالى : بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ حجة ثانية مسوقة على نحو المعارضة محصّلها : أن النظر في حقيقتكم يؤدي إلى بطلان دعواكم أنكم أبناء اللّه وأحباؤه ، فإنكم بشر من جملة من خلقه اللّه من بشر أو غيره لا تمتازون عن سائر من خلقه اللّه منهم ، ولا يزيد أحد من الخليقة من السماوات والأرض وما بينهما على أنه مخلوق للّه الذي هو المليك الحاكم فيه وفي غيره بما شاء وكيفما شاء ويصير إلى ربه المليك الحاكم فيه وفي غيره ، وإذا كان كذلك كان للّه سبحانه أن يغفر لمن شاء منهم ، ويعذب من شاء منهم من غير أن تمانعه مزية أو كرامة أو غير ذلك من أن يريد في شيء ما يريده من مغفرة أو عذاب أو يقطع سبيله قاطع أو يضرب دونه حجاب يحجبه عن نفوذ المشيئة ومضي الحكم . فقوله : « بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ » بمنزلة إحدى مقدمات الحجة ، وقوله : « وَلِلَّهِ مُلْكُ

--> ( 1 ) . المائدة 15 - 19 : كلام في الابتلاءات والعذاب النازل على أهل الكتاب .